فساد وفضائح كما لم نسمع بهما من قبل!
عديدة هي المناسبات التي سمعنا فيها الكثير من الروايات عن تفشي الفساد بمختلف أشكاله في كافة جهات المملكة المغربية، وتابعنا مباشرة أو عبر وسائل الإعلام فصول المتابعات القضائية في المحاكم، التي لم يكن أبطالها عدا ثلة من الوزراء السابقين أو رؤساء مجالس جماعية أو جماعات ترابية أو أندية رياضية أو برلمانيين ومستشارين جماعيين وغيرهم من المسؤولين العموميين.
لكننا لم نسمع من قبل عن هذا الكم من الفضائح المالية التي تزخر بها منصات التواصل الاجتماعي خلال هذه الأيام من الشهر الفضيل رمضان…
فقبل حتى أن تتبخر أصداء قرار الإعفاء غير المسبوق الذي أقدمت عليه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة يوم الثلاثاء 11 مارس 2025، من خلال إنهاء مهام 16 مديرا إقليميا في عدد من الجهات بدعوى سوء التدبير وبعض التجاوزات المالية والإدارية، والتعجيل بفتح باب الترشيح أمام الراغبين في خلافتهم، طفت على سطح الأحداث مقاطع فيديو تكشف عن حجم الفساد الذي عرفته بعض الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وكذا عملية استيراد اللحوم وأضاحي العيد خلال العام الماضي…
إذ يتداول المواطنون فيما بينهم هذه الأيام أشرطة فيديو على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها شريط يتحدث فيه أحد المدراء الإقليميين السابقين لليوتيوبر حميد المهداوي عن حجم الفساد الذي وقف عليه خلال تقلده المسؤولية، كاشفا عن معطيات صادمة تتمثل في صفقات وهمية من أجل إحداث وإعادة تأهيل مؤسسات تعليمية وتجهيزاتها، في حين أنها مؤسسات تعليمية على الأوراق فقط ولا أثر لها على أرض الواقع، ومنها مثلا الثانوية التأهيلية “أحد” بالمديرية الإقليمية سلا، وعدد آخر من المؤسسات الخيالية في جهة القنيطرة كالثانوية الإعدادية “الفردوس” والثانوية الإعدادية “التنمية” والثانوية الإعدادية “عثمان جوريو” والثانوية التأهيلية “عائشة الجابري” والثانوية التأهيلية “التهامي الزموري”، مؤكدا أنه يحتفظ بوثائق تثبت مراسلات موجهة إلى رؤسائها الافتراضيين وفواتير بمبالغ مالية خيالية، متسائلا عن الجهات التي كانت تستفيد من تلك الميزانيات الضخمة منذ سنة 2013 أو قبلها بكثير ؟!
فيما هناك شريط فيديو آخر يكشف فيه النائب البرلماني رشيد حموني رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب لذات “اليوتيوبر” السالف الذكر عن فضائح كبرى حول استفادة حوالي 18 شخصا فقط من 1300 مليار سنتيم أي 73 مليار سنتيم لكل واحد منهم عن عملية استيراد اللحوم وهي مبالغ كافية لبناء أربعة مراكز استشفائية أو أربعة ملاعب رياضية، فضلا عن الاستفادة باسم شركات وهمية من دعم 500 درهم عن كل أضحية وإخفاء تلك الأضاحي دون عرضها للبيع في أسواق الماشية، مما جعل الأسعار تظل على حالها من الارتفاع الرهيب، مبديا استغرابه من اكتفاء المسؤولين بالاستنكار والتنديد بذلك الاستغلال الفاحش للمال العام، دون اللجوء إلى تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية والمحاسبة” في حق مستوردي اللحوم والمواشي وجميع المتواطئين معهم والمتسترين عليهم.
وذلك ما أكده وزير التجهيز والماء وألأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة في إحدى خرجاته الإعلامية الأخيرة أمام جمهور غفير من المواطنين في حملة انتخابية سابقة لأوانها، حيث أنه أبى إلا أن يصرح بكون مستوردي الأغنام والأبقار تمكنوا من تحقيق أرباح خيالية بلغت 13 مليار درهم على حساب المواطنين، داعيا إياهم إلى اتقاء الله في عباده المستضعفين.
وهو ذات الاعتراف الذي سبقه إليه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، عندما أوضح بأن مبلغ ال”500″ درهم الذي منح لكبار الفلاحين في إطار دعم استيراد الخرفان بمناسبة عيد الأضحى الماضي، كان “غلطة فادحة”، لم تساهم في تخفيف العبء عن المواطن، بقدر ما عملت فقط على نفخ جيوب فئة محدودة من المحظوظين، دون أن يكون لها أي تأثير إيجابي على الأسعار.
فما زاد من تعقيد الأمور هو ظهور فضيحة أخرى على صفحات أحد المنابر الإعلامية الورقية تحت عنوان “صفقات بالمليارات بوزارة بنسعيد. شركة بلا موظفين تفوز بعقود مشبوهة”، حيث تقول الحكاية إن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد تورط في منح صفقتين لشركة ليس لها أي عامل مصرح به لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تعود ملكيتها لرجل أعمال عراقي مقرب من الوزير.
وتقدر هذه الصفقات المشبوهة بمليارات الدراهم. والغريب في الأمر أن الشركة المعنية أنشئت خصيصا للفوز بهذه الصفقات قبل حتى أن تسجل في “ص.و.ض.ج” بحوالي سبعة أشهر على إنشائها، وأن الوزير وقع على تلك الصفقات قبل استصدار “الشركة الفائزة” شهادة التسجيل، التي تعتبر وثيقة إجبارية للمشاركة في التنافس على الصفقات العمومية.
أمام هذا الكم من الفضائح المالية التي ليس في واقع الأمر سوى غيض من فيض، نتساءل بمرارة عن مصير تلك الدعوات التي ما انفك ملك البلاد محمد السادس يوجهها للمسؤولين من أجل تعزيز مبادئ التخليق ومكافحة الفساد، عبر تطوير سياسة الرقابة والمحاسبة، تفعيلا للمقتضى الدستوري ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ فلا يمكن بأي حال كسب رهان التنمية وتطوير البلاد دون اعتماد آليات الحكامة والديمقراطية والمشروعية والفعالية. إذ يصعب ترسيخ الثقة بين المواطنين والمؤسسات وتحفيزهم على المشاركة في الانتخابات والانخراط في إنجاح البرامج التنموية، دون العمل على تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد، خاصة أن الفساد يشكل صخرة كأداء تمنع من حدوث التنمية العادلة والشاملة.
اسماعيل الحلوتي